محمد ابو زهره

485

خاتم النبيين ( ص )

والنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أقام الدولة الإسلامية بالتعاون والتازر ، وجاء القرآن مقررا ذلك المبدأ الكريم بأدق معانيه ، وكانت الدولة الإسلامية التي أوصى بها القرآن الكريم ، ونفذها رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد أتت بمبدأ لم يسبق إليه سابق ، ولم يلحقها فيه لاحق ، وهو سداد دين المدينين الذين استدانوا في غير فساد أو سرف ، وعجزوا عن سداد الدين ، فإن ذلك مصرف من مصارف الزكاة . وبينما كان القانون الروماني في بعض أدواره أجاز للدائن أن يسترق المدين كانت الدولة الإسلامية التي أنشأها محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم بإذن اللّه تعالى تعمل على سد الدين عن المدينين . ولئن انتقلنا من الأمة إلى الجماعة الإنسانية نجد أن القرآن الكريم والسنة المحمدية يوجبان أن يكون التعاون أساس العلاقات الإنسانية عامة ، ويعمل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في الدولة التي أقامها على التعاون الإنسانى العام استجابة لقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ( الحجرات - 13 ) وإن القرآن الكريم في سبيل دعم التعاون يقرر أن الإنسانية أمة واحدة ، وتنتهى في نسبها إلى نفس واحدة ، فقد قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً ، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ( النساء - 1 ) . مع اليهود ولقد نفذ النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في أوّل إقامته بالمدينة المنورة مبدأ الاتحاد الدولى والتعايش السلمى : فعقد المعاهدة مع اليهود ومع كثير من القبائل العربية . وقد يقول قائل : ألا يتعارض مبدأ التعاون مع الحرب ؟ ونحن نقول : لو كان الناس جميعا أخيارا ، ولم يكن قانون الغابة مسيطرا على بعض الدول ، لكانت الحرب مناقضة لمبدأ التعاون ، ولكن في الدول أشرار ، كما في الآحاد أشرار ، وإذا كان الأشرار يمنعون من الشر بالعقوبات الرادعة ، فأشرار الدول يمنعون من شرهم بالحرب المانعة ، ولذلك قال سبحانه وتعالى : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( البقرة - 251 ) . فكانت حرب الأشرار من قبيل التعاون على الخير ، ودفع الإثم والعدوان ، وكذلك كانت حروب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لدفع الأشرار ، ومنع الملوك الغاشمين من أن يرهقوا شعوبهم بمنع حرياتهم .